محمد بن محمد ابو شهبة

428

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

إن أجلب الناس وشدوا لرنّة * مالي أراك تكرهين الجنة قد طال ما قد كنت مطمئنة * هل أنت إلا نطفة في شنّه « 1 » ويقول : يا نفس إن لا تقتلي تموتي * هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيت * إن تفعلي فعلهما هديت وما زال يتقدم باللواء ويقاتل حتى قتل شهيدا رضي اللّه عنه . ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم فقال : يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم ، فقالوا : أنت ، فقال : ما أنا بفاعل ، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد المخزومي ، فلما أخذ الراية قاتل قتال الأبطال حتى اندقت في يده تسعة أسياف ، وما صبرت معه إلا صحيفة يمانية ، واستعمل دهاءه وحنكته الحربية حتى انحاز بالجيش ، وأنقذه من هزيمة منكرة كادت تقع ، وكان الليل قد أقبل ، فانتهز خالد هذه الفرصة وغير نظام الجيش ، فجعل المقدمة ساقة ، والساقة مقدمة ، والميمنة ميسرة ، والميسرة ميمنة ، وصف صفا طويلا وراء الجيش ، فلما أصبح الصباح أنكرت الروم ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم ، وسمعوا من الجلبة ، وقعقعة السلاح ، ما قد ظنوا معه أنهم جاءهم مدد ، فرعبوا وانكشفوا ، وما زال خالد يحاورهم ويداورهم ، والمسلمون يقاتلونهم في أثناء انسحابهم بضعة أيام حتى خاف الروم أن يكون هذا استدراجا لهم إلى الصحراء ، فتحاجز الفريقان وانقطع القتال . بلاء المسلمين وقد أبلى البطل خالد وأصحابه الأبطال بلاء حسنا في هذا اليوم ، وبفضل ثباتهم وشجاعتهم تبدلت هزيمتهم نصرا ، وأيّ نصر يرجى أكثر من صمود جيش تعداده ثلاثة آلاف أمام جيش تعداده مائتا ألف ، وانسحابهم وهم موفور والعدد محفوظو الكرامة ، وإنه لشيء نادر في تاريخ الحروب أن يقف جندي واحد أمام

--> ( 1 ) أجلبوا : صاحوا . الرنة صوت ترجيع شبه البكاء . النطفة : الماء القليل الصافي . الشنة : السقاء البالي ، فيوشك أن تهراق أو ينخرق السقاء ، وضرب ذلك مثلا لنفسه في جسده .